عبد الوهاب الشعراني
205
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
إذا شاء فإن فوله وكان إذا سرح للحصاد يأخذ الإبريق معه للوضوء فإذا جاء وقت الصبح ترك الحصاد وصلى فكان شريكه يتكدر لأجل ذلك فيقول : كل طعام اكتسب بطريق حرام فهو حرام . وكان رضي اللّه عنه يقول : بلغني أن الأرض لا تأكل قط جسما نبت من حلال فكان بعض فقهاء بلاده ينكر ذلك عليه ويقول : هذا خاص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشهداء فلما مات والدي أدخلوه عليه فوجدوه طريا كما وضعوه بين دفن والدي ودفنه إحدى وعشرون سنة فأرسل الملحد للجد وراء الفقهاء الذين كانوا ينكرون على جدي ذلك وقال انظروا فاستغفروا اللّه وتابوا وكان رضي اللّه عنه يكره من يقول : له يا نور الدين ويقول : نادوني باسمي علي كما سماني بذلك والدي وبات سيدي الشيخ علي العياشي أحد أصحاب سيدي أبي العباس الغمري رضي اللّه عنه وهو من أرباب القلوب ليلة في زاوية جدي فسمع جدي يقرأ القرآن في قبره « 1 » فابتدأ من سورة مريم إلى سورة الرحمن فطلع الفجر فسكت الصوت فأخبر أهل البلد بذلك فقالوا هذا الشيخ علي رحمه اللّه تعالى . وكان رضي اللّه عنه يقول : لا تجعلوا على قبري شاهدا وادفنوني خلف جدار هذه القبة التي في الزاوية ففعلوا فليس لقبره علامة إلى وقتنا هذا . وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رضي اللّه عنه قال لما حضرت والدي الوفاة دعا بكتاب سيدي عبد العزيز الدريني رضي اللّه عنه المسمى بطهارة القلوب فقال لوالدك اقرأ لي في أحوال القوم عند خروج أرواحهم فقرأ له فتنهد وقال سبقونا على خيول دهم ونحن في أثر هم على حمير دبرة وطلع النفاطات في لسانه حتى تزلع لسانه فكانت جدتي رحمها اللّه تعالى تقول واللّه ما أعلم من مناقشة الحساب ما قالت ذلك وأخبرني والدي في التربية سيدي خضر رحمه اللّه ، قال إن جدك كان لا يجيء إلى القاهرة إلا ويأتي معه بالجراب الخبز وإبريق يملؤه من النيل فيشرب ويأكل من ذلك إلى أن يرجع ولم يذق لي طعاما قط وقال لي تعرف سبب معرفتي بجدك قلت لا ، قال نزلنا سنة من السنين مع سيدي محمد بن عبد الرحمن نائب جده وبعض بني الجيعان نتفرج في بلدكم أيام الربيع فأقمنا مدة فطاب لسيدي محمد الوقت فشرع في زراعات وبنى حواصل وصرف مصروفا واسعا فطلب شخصا أمينا يكون وكيلا عنه في ذلك فقال جميع الفلاحين ليس عندنا أحد أكثر أمانة من الشيخ علي رضي اللّه عنه فأرسلوا وراءه فحضر فقال إني لا أصلح لذلك فقالوا لا بدّ فأخذ مفاتيح الحواصل فلما طلع البطيخ خزنه وصار كل بطيخة حصل فيها تلف ينادي عليها إلى أن تنتهي الرغبات فيها ثم يكتب ثمنها عليه ويعطيها لمساكين البلد وصار يكتب تفاوت علف البهائم في اليوم
--> ( 1 ) ليس هناك دليل على ذلك ولو صح لنقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم والخلفاء الراشدين والصحابة مثل ما ذكر .